أين الرجل المناسب ؟ إنه في السجن.
إذا نظرنا للمقولة الجميلة: "الرجل المناسب في
المكان المناسب"، وأسقَطْناها على واقعنا؛ نكاد شبه نجزم بأننا لن نرى منها
شيئاً، فلا يوجد رجلٌ في مكانه المناسب، هذا إن كان قد بقي أصلاً مكانٌ مناسبٌ.
إن حالنا أشبه
ما يكون بقطةٍ ترقد فوق البيض ليفقس، وبحمامة تُرضِعُ القطط لتعيش وتكبر، فلا
البيض فقَّس ولا القطط الصغيرة كتبت لها الحياة.
لا أريد أن أذكر الكثير من الأمثلة، فالقارئ يعرفها أكثر
مني، وهو يعيشها يومياً، بدءاً من مديرة مدرسة ابنه الـمُعقَّدة نفسياً، والتي
غالباً ما تكون مـُخيفة الشكل، مطلقةً أو عانساً أو شبه مجنونةٍ، مروراً بالواعظ
الذي يتحفنا ليلاً نهاراً بآرائه وتحليلاته وتوصياته في كل شيء يخص حياتنا، رَغْم
أنه لم يقرأ يوماً كتاباً مختصّاً فيما يقوله، وأخيراً وليس آخراً مديره في العمل
الذي أبعد ما يكون له علاقة بالإدارة والتخطيط وبُعْد النظر.
وإن حل هذه المشكلة هو البداية الصحيحة لعلاج جميع
أمراضنا الاجتماعية والنفسية والفكرية والدينية، وحلُّ هذه المشكلة لن يصعب إذا
أرادت السلطات الحاكمة إيجاده، لأن "الذي طلَّع الحمار لرأس المئذنة بيعرف كيف
ينزله مرة أخرى". لكنها بلا شك لن تفعل ذلك.
وإن علاج مشكلة ما يسمى "الواسطة" في مجتمعاتنا
-التي أصبحت فيها كلمة من قبيل: "أنا من طرَف فلان، أو قل له: إنك من طرف
فلان" تعادل ٢٠ سنة دراسة، و١٠ سنوات خبرة- هو خطوة مهمةٌ في هذا الطريق، وهذا
العلاج طبعاً يستدعينا أن ندرس الفساد السياسي والوظيفي والإداري، ونبحث في أسبابه
وحلوله، وأن نعالج تماشياً مع كل ذلك الفكر المجتمعي الذي يرى في الرجل الذي يخدم
أبناء بلده وأقرباءه ومعارفه، ويـُــقدِّمُهم على غيرهم -ولو دون استحقاق فيما
يقدمه إليهم- هو الرجل الشَّهْم والخلوق والذي يـُضرَب فيه المثل، وأن الذي لا
يفعل ذلك اتباعاً لضميره ولمصلحة المجتمع، ليس فيه الخير للقريب، وليس عنده نخوةٌ
وشهامةٌ، وأنه (ابن ستين ألف كلب) كما يقال.
ويقع هذا المسكين بين فكَّي كماشة مجتمعه الصغير من
جهةٍ، وواجبه الأخلاقي في أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب من جهةٍ أخرى.
وقِسْ على ذلك الذي يُسَيِّرُ معاملة قريب أو صديق ؛ لأنه وفقاً لأعراف المجتمع المعتوه يكون " قليل أصل ومافيه خير " إن لم يفعل ذلك، طبعاً ولو عطَّل مصالح بقية المجتمع أو أضرَّ بهم، لا مشكلة أبداً.

تعليقات
إرسال تعليق