تـخريـب الـمرافق العامـة كـنوع مـن أنـواع المـقاومة الشـعبية
إن تغيير الإنسان أو محاولة تغييره عن طريق
النَّظريات والخُطَب العَصْماء والنصوص الدينية والحكم الطوباوية وحدها لا يُجدي
في كثيرٍ من الحالات، فالإنسان لا يُدخَل إليه إلا من خلال الإنسان ذاته وفَهْمِ
هذه الذات.
وأنا أرى أن قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ليس إلا تلميحاً لطيفاً لنا كي نضع
الأمور في نصابها، ونحل المشاكل وَفْقاً لمتطلباتها كاملةً، فاليوم ما عادت كلمة
على منبر تمنع سرقة أو تحرُّشاً أو عقوقاً كما كانت، ولم تعُد كلمةٌ مُنمَّقةٌ من
خطيبٍ أو مفوَّهٍ كافيةً لأن تدفع الناس ليشتروا كتاباً أو يحافظوا على نظافة
الشارع....إلخ.
فالسرقة والنَّصْب والتحرُّش وتلويث البيئة وغيرها
مما نعاني منه له أبعاد أكبر من أن نحصرها فقط بموضوع عدم الالتزام الديني، على
اختلاف هذا الدين، فعلى سبيل المثال كثيرون ممن يخرِّبون المرافق العامة
يـُصَلُّون ويصومون ولا يفعلون الكبائر، لكنهم يخرِّبون المرافق العامة، لا لأنهم
لا يعرفون أن هذا الأمر يدخل في باب المحرَّمات، بل لأنهم يجدون على سبيل المثال
أن الوطن صار هو الحاكم، والحاكم هو الوطن، وما إيذاؤهم للأملاك العامة إلا إيذاءٌ
غير مباشر للحاكم "الوطن"، واستردادٌ لبعض من إنسانيتهم المهدورة.
وإني أذكر شخصياً ما قام به الكثير من أبناء حيِّنا
في دمشق منذ نحو 15 سنة مضت بعد أن استملَكَت سلطة بشار الأسد أراضيهم وبيوتهم باسم
المصلحة العامة بأبخس الأثمان، وبلا أي ثمن في أغلب الحالات، وأقامت مكانها
الحدائق، وزرعت الورود، وأنارتها بأجمل الأضواء، أسابيع قليلةٌ كانت كافيةً لأن لا
يبقى لـَمْبَةٌ فيها روح ولا نبتةٌ تُوَحِّدُ ربها، وكان الناس هناك يجدون أن هذا
العمل يندرج تحت بند المقاومة الشعبية، وكانوا يُغَطّون على أي فرد قام بالتخريب
كي لا يصل ليد السلطة؛ كتغطية أهل الحارة والغوطة سابقاً على ثُوَّارها ضد
الفرنساوي!
-----------------------------------------------------------
بتصرف من كتابي "التتفيه والتجهيل"

تعليقات
إرسال تعليق