مـــديـــحُ الطـــاغـــيـــة.

 


رغم أن " شارل ديغول " كان يـُعتبر بنظر الشعب الفرنسي بطل وطني وقائد عظيم بامتياز، نظراً لقيادته المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا، بالإضافةِ لبطولاته أثناء الحرب العالمية الأولى.. إلا أن كل ما سبق لم يجعل منه بنظر الفرنسيين إلهاً فوق الشعب أو مخلوقاً خارقا للطبيعة. لذلك عندما قرر تقديم استقالته والتزام بيته عام 1969 لم يخرج الناس للشارع ليترجُّـوه بأن يبقى في الحكم، ولم يهتفوا باسمه ولم يـُدبّجوا له الكلام وينشدون باسمه الأشعار ويغنون له الأغاني، فقد كان بنظرهم خادمٌ عامٌ للشعب، قام بدوره، وفشل بالحصول على الأصوات التي كان يتوقعها في الاستفتاء الذي أجراه بخصوص تطبيق المزيد من اللامركزية في فرنسا، وببساطة استقال على إثرها.

أما في عالمنا العربي وعلى سبيل المثال بعد هزيمة 1967 عندما تظاهر جمال عبد الناصر بأنه يريد أن يتنحى، كونه كان هو -طبعا رغم عدم اعترافه بذلك- بديكتاتوريته وعنجهيته أحد أهم أسباب الهزيمة، خرجت الشعوب العربية إلى الشارع تستجديه باكية بأن يبقى في الحكم أيضاً.. وأيضاً.. وأخذت تهتف وتدبـِّج له الكلام لتستعطف قلبه الحنون، بل وأخذت تغني له لاعبةً على الوتر الحساس عنده " وتـرِ الأبـُّوة " فتقول : يا جمال ويا حبيبنا، وحياة خالد لا تسيبنا"

طبعاً خالد هو ابن جمال عبد الناصر، وتلك الجماهير أخذت تستحلفه بحياة ابنه خالد أن يبقى حاكماً لها، رغم أنه هو كان سبب هزيمتها. ناهيك أنه كان يدوس على كرامتها.

أنا لم أسمع أو أقرأ مثلاً أن الشعب البريطاني غنى لزعيمه العظيم "ونستون تشرشل" الذي قاد بلاده للنصر في الحرب العالمية الثانية، " يا تشرشل ويا حبيبنا، وحياة راندلوف لا تسيبا " طبعاً راندولف هو ابن ونستون تشرشل.

ولا حتى الفرنسيون غـنـُّوا لشارل ديغول " ديغول يا دهب نفيس، خليك حاكم لباريس "

ولا سمعت الألمان منذ أشهر يغنون " يا ميركل يا فخرنا وأمجادنا، خليك حاكمة لبلادنا".

نحن فقط عندنا مشكلة مع الأغاني.. 

إذ لا يوجد رئيس عربي إلا ولديه رصيد لا نهائي من الأغاني التي تمجده وتسبح بحمده وتتغنى ببطولاته الخرائية. حتي أني لأكاد أجزم بأن الأغاني والأشعار التي تمجد وتعظم الحاكم العربي تفوق بعددها وعظمتها الأغاني والأشعار التي تمجد الله ذاته.

في مصر قديما، نجد أن كبار الملحنين والمطربين غنوا لجمال عبد الناصر ومن كان قبله ومن جاء بعده حتى عهد السيسي رضي الله عنه.

كذلك الحال في العراق والأغاني التي تمجد صدام حسين وكذلك الأمر في سورية وليبيا والمغرب وبقية الدول العربية.

ولا ننسى أن ذلك التمجيد والتطبيل والعبادة للحاكم العربي لم يكن يـُقدَّم له من شعبه فقط،

فقد كانت الشعوب العربية تتبادل الآلهةالحاكمة لها فيما بينها؟! فقد كان اللبناني يغني للديكتاتور السوري، والسوري يغني للمجرم المصري، والأردني يغني للديكتاتور العراقي، والعراقي يغني للديكتاتور السعودي....

ولم يكن الحاكم العربي يحظى بالعبادة والغناء له خلال عقود حكمه فقط، بل كانت الشعوب العربية عندما يذهب ذلك الحاكم مرغماً عن أنفه إلى القبر، ترسل معه باقة من الأغاني والأشعار أيضا.. وتعلق صورته التي تحمل في إحدى زواياها خطاً أسوداً في المنازل والمصانع والمحلات والطرقات والجامعات والباصات والحقول وعلى الأشجاروضفاف الأنهار وعلى.. وعلى... ونظراً لبعض الأسباب الدينية الخاصة التي لم يمكن التحايل عليها بأي شكل من الأشكال بفتوى من هنا أو اجتهاد فقهي من هناك، فقد كان يُـكتفى بالدعاء له بالرحمة في المساجد ودور العبادة دون تعليق صوره فيها.

ولا يعجر القارئ بأن يبحث لدقائق عن الأغاني التي قيلت والأشعار التي كتبت والنواحات التي نظمت بوفاة الطاغية فُـلان أو الديكتاتور عـِلان.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إنجازٌ مذهـلٌ آخـر للسوريين..

الأبرياء فوق كل اعتبار ومقدس، حتى الكعبة ذاتها

قال سيدنا غوغل عليه السلام :

رسالة إلى الطائفة الدرزية الكريمة التي وقفت مع بشار الأسد لـ 12 سنة.

(( الرئيس الحساس ملك الإحساس ))

هوس الكلب المسعور ببناء الفلل والقصور!

الإمام دونالد ترامب عجل الله فرجه القريب.

(( سقوط قلاع القش ))

مع قرب انتصار الثورة كل الشبيحة والرماديين أصبحوا ثورجية

حرب الفتاوى حول الســيء حسن.